]
كيف نتصور مشاعر أبوين «مكلومين» لمدة 36 عاماً «عاشا معاناة مريرة تصل إلى حد الخيال وهما يعيشان لحظات استقبال الولد الوحيد ومن ثم بلوغه سن السابعة ودخوله إلى المدرسة ؟!
وقائع أقرب إلى الخيال لكنها حقيقة اختار ناصر عبدالله الخليف وزوجته أم عبدالله جريدة «الرياض» ليرويا تلك القصص المفعمة بالمرارة لأكثر من ثلاثة عقود، فزارته «الرياض» في محله المتواضع لصنع الستائر في قرية الشعبة التقيناه، ثم رافقناه في صبيحة أول يوم دراسي وهو يزف ابنه الوحيد «عبدالله» بطريقة فريدة إلى المدرسة على ظهر جمل، ثم استمعنا منه إلى رحلة زواجه ومعاناته مع الإنجاب التي لم تخل من الكثير من النوادر..
قبل 36 عاماً كانت البداية
تركنا لأبي عبدالله الحرية كاملة لأن يبحر لنا في رحلة حياته، فراح يسرد وقائعها بشيء من التفصيل قائلاً: اقترنت بزوجتي قبل 36 عاماً حين كان عمري 18 عاماً، فرزقت بابنتي الكبرى، ومن ثم ذلك الوقت بدأت رحلة العذاب والمعاناة مع الإنجاب، فكلما حملت زوجتي يتوفى الطفل في بطنها في مراحل مختلفة، من الشهرين الرابع والخامس وبعضهم يتوفى بعد أن يعيش لساعات، فسافرت بحثاً عن العلاج من الهند إلى سوريا والبحرين وهكذا انتقل إلى مدن المملكة المختلفة دون فائدة، وخسرت خلال تلك السفرات أموالا طائلة رغم محدودية دخلي فعانيت الأمرين من التنقلات والمواعيد والمبالغ التي أخسرها يومياً كل ذلك دون فائدة، وأثناء ذلك طلب مني الكثير الزواج من أخرى، إلا أن حبي الكبير لزوجتي وإخلاص زوجتي لي منعاني من ذلك، فقلبي وقلبها واحد، كما لا أنسى أن أشير إلى مقدار حب زوجتي لي دفعها أن تقسم بالله عليّ أن أتزوج عليها لأرزق بولد وأنها هي مستعدة أن تخطب لي أي بنت أختارها أنا فرضت ذلك إيماناً واحتساباً وحباً مني لها!
وأضاف أبو عبدالله: لقد تكبدت خسائر كبيرة جداً في العلاج وفي التنقل بين الاحساء والرياض حتى أن الولادة الواحدة تكلفني نحو خمسين ألف ريال (إذا ما أخذنا بعين الاعتبار توقفي عن عملي وكلفة المواصلات والسكن وغيرها من المصاريف الأخرى)، وكنت خلال هذه الفترة أدفن كل عام تقريباً طفلا من أطفالي لم يكتب له الله العيش فيموت في شهوره الأخيرة وهكذا حتى دفنت بيدي 17 طفلاً رغم ما كان يشكله هذا الأمر من ألم يعتصر قلبي، ولكنني كنت مؤمنا بالله

وصابرا، وأتذكر أنني في إحدى المرات أتيت بطفلي البالغ من العمر تسعة أشهر ميتاً من الرياض ووصلت به في ساعة متأخرة من الليل فتعذر عليّ دفنه في تلك الساعة فقمت بوضعه في ثلاجة منزلي بجوار فاكهتي دون علم أحد، وعند الصباح استخرجته من الثلاجة ثم دفنته.
أم عبدالله.. رحلة الألم والأمل!
أم عبدالله «صاحبة المعاناة الأولى» فتح لها زوجها باب الحديث فراحت تكشف عن بعض آلامها التي عاشتها طيلة 36 عاماً فقالت: نزفت الكثير من دمائي، وفُتح بطني أكثر من مرة، وعانيت مما لم تعانه امرأة مثلي، وفقدت 17 من فلذة كبدي واعتصر قلبي ألماً وحزناً على فقد قطعة من أحشائي ينتهي بها المطاف إلى المقابر! قريناتي كن يستقبلن المهنئات بعد خروجهن من المستشفى وأنا كنت استقبل المعزيات! هن كن لا ينمن إلا وبجوارهن أطفالهن وأنا كانت جراحاتي هي رفيقي الدائم لأكثر من ثلاثة عقود، لكنني كنت أرى من بعيد أملا ورجاء وثقة بالخالق سبحانه وتعالى لا ينقطع رغم عظم ما عشته من حزن طويل.. طويل.

واستطردت أم عبدالله في حديثها تشرح كيفية وفاة أبنائها ال 1